السبت، 16 يناير 2016

السرقات الإبداعية * * *بقلم : خالد غلاب


السرقات الإبداعية
* * *


• السرقات الإبداعية إلى أين ؟
• لماذا كثرت السرقات الإبداعية في الأونة الأخيرة ؟
• تعتبر السرقات الأدبية جريمة أخلاقية لا تقل عن جريمة سرقة الأموال العينية .
• رغبة البعض في الاستسهال أمام الشعور بالعجز والإحباط مما أدي إلى السرقات الإبداعية .
• السرقات الإبداعية نتاج مجتمع يمنح احترامه بعيداً عن الأخلاقيات لذوي المال والنفوذ والشكليات .
• د. محمد أبو على :هل اختلفت السرقات الإبداعية قديماً عن الحاضر ؟
• د. مصطفى شعبان : هل نذهب لمقاضاتهم في محكمة العدل ؟
• د. محمود حمزة : كل الشعر مهنة من لا مهنة له .
• نظرية التناص : كل نص جديد هو تحويل لنص آخر سابق أو معاصر له .
• اللبودي : سارق النص الأدبي إن صح التعبير هو نصف سارق فقط .
أسوة بالظواهر السلبية التي أضحت من السمات المميزة للكثير من صور حياتنا الراهنة . برزت ظاهرة خطيرة أخذت تتفشى بشكل لافت للنظر وهي ظاهرة السرقات الإبداعية .
لم يكن الأمر معروفاً بهذا الشكل فيما مضى ، على الرغم من الإنحطاط الثقافي آنذاك. غير أن إتساع دائرة هذه الظاهرة الآن يستحق أكثر من وقفة بعد أن أصبح الطريق سالكا للعديد من أشباه المثقفين والمؤلفين الزائفين الذين لا يكلفون أنفسهم عناء البحث والمثابرة .
وتعتبر السرقات الأدبية جريمة أخلاقية لا تقل عن جريمة سرقة الأموال العينية . فالعمل على انتزاع الفكرة من منشئها ومبدعها جناية لا تقل عن جناية سلب الأموال والمتاع من صاحبها ومالكها .
والخطير أن السرقات الأدبية لم تعد تقتصر على المنجزات الأدبية وحسب ؛ بل امتدت لتشمل العديد من المجالات الإبداعية بل وحتى البحوث الأكاديمية والدراسات والرسائل الجامعية . ونُرجع الأسباب إلى هذا السيل العارم من الصحف والمجلات ، بالإضافة إلى اتساع وسائل الإتصال من خلال تصفح الإنترنت .. وسهولة الحصول على المعلومات والمواد الإبداعية .
ولا غرابة أن هذه الأسماء أتهمت بالسرقة وهي كل من ( هوميروس – أرستوفان – هيرودوتس – سوفوكليس ) وما الأدب اللاتيني إلا سرقة من الأدب اليوناني .
* أشبه بالإبداع حوار الطرشان
** ويقول د. محمد أبو على أ. مساعد بكلية الآداب جامعة دمنهور لمادة النقد والبلاغة : أما عن السرقات الأدبية في وقتنا الحالي وكيفية معالجتها ؟ والأسباب التي وصلت بها إلى هذه المرحلة ؟ يقول البعض أن هناك أقلام مستأجرة في الإبداع ، ويرى أنه لا يستطيع أحد إستئجار قلم آخر ؛ لأن بالدراسة العلمية المتعمقة ، وباعتبار المنهج الإحصائي ، يستطيع كناقد فضح أمره ولكن وجدت السرقات عبر طرق كثيرة .. فالكثرة الكاثرة والتي تبشر بطرق متعددة لا يطلع عليها أحد ، ولا يقرأها إلا سارقها فهذه تمثل مشكلة . كما أنه تكثر السرقات حال المسابقات الأدبية في الشعر أو القصة القصيرة أو الرواية وذلك لتشوق أدعياء الأدب المتطلعين للحصول على مكانة ما .
إلا أن السرقة في وقتنا الحالي تختلف عن السرقة عند القدماء ، والتي داخلها هضم أشعار الآخرين وإعادة صياغتها بطريقة أخرى . والقدماء لم يعدوا مثل هذا سرقة .أما السرقة الحقيقية هي سرقة العمل الأدبي بأكمله نصه ومعناه ولفظه . أما عند القدماء فكانت بيتان أو ثلاثه وليس العمل بأكمله كما كان يوجد قراءة واضطلاع ومداومة لكل ما يتم . وأيضاً هناك من اللغويين ممن يتابعون هذا الأمر . ولكن من الصعب متابعة كل ما ينشر الآن سواء كانت ورقية أو على الإنترنت مما يجعل الأمر يسيرا بالنسبة للمدعين أن ينسبوا الأعمال إلى أنفسهم .
ويقول : على فرض أنك سجلت وقمت بعمل حقوق الملكية . ثم استولى عليه أحدهم من بلد آخر ، ونقل بعض قصائد من ديوان ما مثلاً من النادر أن تطلع على بعض ما كتب . ولو اطلعت فصعوبة الأمر ، والمتابعة القانونية تجعلك تبتعد ، ولا تكترث مما حدث ( أشبه بالإبداع حوار الطرشان )
كما أن هناك من الشعراء من لا يستطيع أحد أن يسطو عليهم ، ويرى أن لكل منهم بصمة معروف بها مثل
الشاعر نزار قباني أو محمود درويش ، وأن من يقترب منها فهو مفضوح أمره .
* سوف تبتعد شبكة المعلومات عن دورها الحقيقي
** ويرى د. إبراهيم مصطفى شعبان مدرس قسم الجفرافيا بكلية الآداب جامعة دمنهور : أن السرقات الثقافية والأدبية على الإنترنت سوف تُضعف شبكة المعلومات بمعنى أنه إذا كان هناك ضوابط ،وآليات لحماية ما ينشر على الإنترنت ؛ فسوف نجد الكثير يعرض معارضه ، وكل ما عنده على شبكة المعلومات . أما أنها تُسرق بكل لغات العالم مثلا ؛ بالتالي سيصبح المعروض على شبكة المعلومات محدوداً ، ولسوف تبتعد شبكة المعلومات عن دورها الحقيقي في العالم .
فإذا وضعت المنشور على الإنترنت مثلاً ، ( والإنترنت هو أدوات العولمة ) وحفظته ، وعملت كل ما يتعلق بحقوق الملكية في مصر مثلا . من يضمن أنه لن يسرق خارج مصر . ويُرجع ذلك إلى مشكلة العولمة ؛ لأنه يوجد آليات فرضت هذا النظام ولم تحيله على مستوى العالم . فهل نذهب لمقاضاتهم في محكمة العدل ! ؟.
* المعني المبتكر ملك لصاحبه
** أما د. محمود حمزه أستاذ الأدب العربي بجامعة دمنهور : فله رأي مختلف ويرى في قضية الشعر عبر قضية النص النثري أن الشعر أصله إبداع ، وابتكار في لحظة ما أو موقف معين ، وفي حالة السرقة الشعرية فيمكن إكتشافها ، والفصل فيها . أما الرواية فيمكن القول بأنها مقتبسة ، وأنها أخذت شكلاً مصرياً أو عربياً .
كما يشك في أن سرقة الشعر قد أصبحت قضية ؛ ويبرر ذلك بأن الناس قد تحررت من القيود الشعرية ، وأن الشعر أصبح سلعة في سوق كساد . وقديما كانت هناك قيود ، وضوابط تحكم كتابة الشعر عند الناس أما الآن فلا ضوابط تحكم . كل الشعر مهنة من لا مهنة له . ويرى أن المعني المبتكر ملك لصاحبه ، ولو أقتبسه آخر ، وعبر عنه بشكل آخر . المهم هو كيفيه بلورته في صورة جميلة .
* ما نقول إلا معاداً
** ومن ناحية تقول الأديبة جوليا كرستينا ( النظرية التناصية ) : أن النص الأدبي يتخلق من النصوص السابقة والحالية فكل نص يتركب من تشكيلات فسيفسائية من الإقتباسات والإشارات والإحالات فكل نص جديد هو تحويل لنص آخر سابق أو معاصر له .
أي أن المؤلف يقوم بخلط النصوص السابقة والحالية المتشابهة والمختلفة في نص جديد . أي أن النص الأدبي ما هو إلا موروث ثقافي أو معرفي عام . إذن فالمؤلف طبقاً لهذه النظرية ما هو إلا معمل لخلط مجموعة من النصوص والموروثات الثقافية وإخراجها في ثوب جديد فهل هذا إبداع ؟
* إبداع على مستوى الشكل فقط
** وردا على ذلك يجيب الأديب محمد محمد اللبودي مدير الشئون الثقافية بالبحيرة سابقاً : بأن هذا إبداع على مستوى الشكل فقط . أما المضمون فهو من النصوص والموروثات الثقافية المختلفة فإذا جاء وسُرق هذا النص أو ذاك إنما سرق هذا البناء أو الشكل فقط ؛ لأنه من الصعب إتيان المضمون لصاحبه ، وبالتالي فسارق النص الأدبي إن صح التعبير هو نصف سارق فقط ، وخبر ذلك إن أردنا إتيانه فإنه يلزم أن يكون النص المسروق مكتوباً بالنص دون أي تعبير ؟
ويضيف متسائلاً : أن كلمة سرقة إنما تعني أخذ الشئ خفية دون علم صاحبه ، والإحتفاظ به ، والإستفادة منه . والأفكار مثل الأشياء المادية لها أصحابها . ولكن هل كل صاحب فكرة لديه مستند أنه صاحب هذه الفكرة ؟ بمعنى أنه إذا إدعى أحد من الناس أن فكراً ما أو نصاً أدبياً ما ملك له ؛ لأنه نشره باسمه أو سجله في الشهر العقاري . هل هذا يكفي أن يكون هو فعلا المالك الأصلي ؟ أليس هناك احتمال أن النص ملك لشخص آخر .
ويرى إن عملية الإبداع في حد ذاتها إنما هي حالة غالباً ما نضعها في اللاشعور ، وهنا يمكن للتجاور الفكري بين مجموعة من المفكرين أو الأدباء أن يجعلهم بشكل أو بآخر يتشابهون في أفكارهم . فهل هذه سرقة ؟ .
وأخــــيراً :
تستوقفني هذه السحابات من الإنحطاط الأخلاقي الذي لحق بالمجتمع ، ورغبة البعض في الاستسهال أمام الشعور بالعجز والإحباط في مجتمع يمنح إحترامه بعيداً عن الأخلاقيات لذوي المال والنفوذ والشكليات . وقد أدى تطور آليات العصر إلى ما يسمى بعولمة المثقفين ، والأدباء ، وظهور طبقة من الأدعياء ، والمزيفين من أنصاف الموهوبين وذوي التنافس المريض؛ مما تواجد معه الوسط الملائم للسرقات الإبداعية .
ولعل القصور الإعلامي في معرفة أصحاب الفكر والإبداع والتعريف بهم وبنتاجهم يعد حافزاً لعمليات السطو .
بقلم : خالد غلاب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق