الاثنين، 21 ديسمبر 2015

جالس طفلا..هدى صفوت


جالس طفلا
جالس طفلا لتعلم أن ما أضيف إليك من أعوام ، ما هى إلا أرقام وحسابات علي الأوراق تُكـتَب، وعلامات ودلالات علي هيئاتنا تُضَاف وتُنسَب
ولتدرك أن كل ما مر بك من لحظات ٍكانت كذرات غبار واحدة تلو الأخرى علي أرواحِنا تُسكَب
ولتتحسس بذاتك ذاك الغبار وهو عن طفولتك المدفونة تحت ثري الأيام يُنفَض
نعم ، تحسس برفقتِه عبق سجيتك التى دُفِنَت وتشوهت ملامحها تحت ركام السنين وأنقاض اللليالي ، ومع كل جرحٍ ووجعٍ وتأوُهٍ وألمٍ شيئا فشيئا كانت منا تُسلَب
جالس طفلا لتجد أن ما حصلنا وأدركنا من دروووووووسٍ وعبرٍ بجانب جمال براءتنا _التى صارت كطيف لا نكاد نلمحه_ حقاً لا قيمةَ لها تُحسِب
جالس طفلا لتخرج روحك من عبث البشر وسواد الليالي وأحمال الدهر
جالس طفلا كى يخترقك ذاك الحنين لأصلك وذاتك المفقودة في بيداء الزِيف ، ويكاد يَفتِك بك
ولتذكر روعة مذاق ما منحنا الله من فطرةٍعذبةٍ نقية وقد كادت روحك تموت تعطشا له بعدما خارت قواها خلف حياة الجسد الصحيح
لتنفض ركام الأيام عنك ، لتصل الي ذاتك المدفونة وقد اتخذ قبرها هيئة جسد يافع ناضج ، نضجٌ أجبرتنا الدنيا عليه ، ساقتنا إليه ، ما كان وجهتنا يوما ، ولو علمنا أن ضريبته ستكون تخلل الدنيا إلينا وتقييدنا إلي ذاك الحد الذي عنده خسران ذواتنا ، ومهما حوت وتحولت قلوب من حاوطونا خَبَثاً و قسوةً ، ما كنا لذاك السبيل سلكنا وبكل ما أوتينا من قوةٍ كنا قاومنا ،،،
جالس طفلا لتجد قلوبا كصحائفٍ بيضاءٍ ناصعةٍ ، فُتِحَت علي مصرعيها ونُشِرَت ، لُتُجبِرَ صحائفك المطوية داخل مجلداتٍ سميكة ، تَخَيَرت الأسود الحالك طلاءً لها ادعاءاً للغلظة والقوة ، لتحفظ جاهداً ما بَقِيَ من تراث فطرتك بعدما تبعثرت سطورها وحروفها تباعا عقب كل خيبة وخذلان خلَّف ألماً وحسرة ، من قلوب ما طوت إلا أسود الكلمات ، وقُوَاها أصل فيها ، قُوَى أساسها وفروعها من الشرِ والخَبَث
جالس طفلا لتجد نعم الرفيق والمتحدث والمنصت والمُحِب ، لتجد الفطرة تُقَابَلُ بالفطرة ،
جالس طفلا كي لا تدع عراك الدنيا يِفتك بروحِك ، لتري وجهتك فتُجاهِد كى تظفر في ملحمة عودتك إليك ، فلو لم يكن جُلَّ جهادك لأجل قضيتك الكبري في استرداد روحك من براثن الدنيا _التى استعمرتها عُنوَةً مُستَغِلَةً استسلامك وأبواب قلبك المحَطَّمة علي أثَرِ توالي الجروح والآلام عليك _، استردادها طاهرةً زكية ًقبل عودتها لباريها ؛ فلأى شئ يكون جهادك ؟!!!
جالس طفلا كى تَدَعَ العنانَ لفطرتِكَ لتَصرُخَ وليُملَأَ الكون بصوتها المشجون ، دعها تَزأَرُ حُزنَاً وتزلزل تلك الدنيا المذمومة وهؤلاء البشر الطالحون الذين اتخذتهم الدنيا جنودا
زئيرا يخيف دنياها ، يصيبها بالضجيج ، يجعلها تتمعن مرارا ومرارا قبل عقد نية استمرارِ إفساد عمارِها ، وتلويث نقائِها ، وإنفاذ رصيدها في تلك الروح الضائعة التى تسعى للنجاة
جالسه لتدع عنك تلك الغشاوة المذمومة ، ولتُدفَعَ بقوة تجعل منك حائلا دون مسار تسللها إليك ، وفتكها بك
كى تُعلن حربك الضروس عليها ، وتَفُق من غيبوبة استسلامك ، وتنفض عنك غطاء الوهن فأنت بعون الخالق أقوى ، وتَثُر علي طغيانها ، ولا تنسحب ، وتدع لمعان مقلتيقك يَبرق بدموع النصر وأنت تحرر قيود روحك وهى تطرب فرحا برؤية حصون قلاعها العالية العتيقة التى سجنتها لأزمان ، تنهار
وتصل لروحك المُنهَكة تلك وتتوحد بها ، فتلملم ما تبقي منك وتصل لمكنوناتك المُتَبعثِرة ، وتحشد وتستجمع قواك ، وتُعِد بنائها ، فليس لديك أنفس منها مسكن ومأمن ومُتَكأ ومُستَراَح
وتدعها تتخللك ، تتخلل تلك الصلابة المزعومة ، وتتغلب علي ذاك الجسد وتعلن ظفرها عليه ، وتعيشه ، وتُعِد إعمارك
جالس طفلا وداوم مجالسته كى تُصابر لتصل بروحك إلي فضاء الفضيلة حُرَّة تبعث تُغرِّد بالفرح وقد نفضت ما عليها من كاهلٍ أثقلها لأزمان
جالسه ، و دعها تطيب للعودة لخالقها ، تستنشق عطرٍ في النقاء والزكاة ، يشبه ذاك الذي فاح منها يوم دخل صدرها أول شهيق
وأخيرا:
- عش روحك ، فحياتنا ما هى إلا حياة روح ، اعتنى بها ، اروها بما يجعلها تَقوَى وتَصِح فلا تُختَرق فتَبلَي ، وتضيع أنت يا مسكين
- شيد مدينتك الفاضلة بك ، دعك لها ، افتح قلبك وروحك علي مصرعيهما ، دع الفضيلة تتخللك وتتشربها خلاياك خلية خلية ، واسعى لنشرها بين البشر مهما ساءوا وساءت قلوبهم ، انتصر أنت عليهم ، ولا تنصهر في بوتقة الدنيا بما تحوى من رذائل تقتل كل جميل فينا لتذرنا بقلوب كاحلة وأرواح ميتة ، اجعلها قضيتك الكبري، فهى بالفعل قضيتك الكبري ، فما جئنا تلك الأرض إلا لإعمارها وذاك بتطهير أنفسنا والحفاظ علي هبة زكاوتها
- دع روحك تتحكم بدنياك وتحكمها ، وليس دنياك هى من تحكم روحك ، تماما كالطفل الذي ستجالسه
- وأما البداية ، فهى بأن تجالس طفلا
هدى

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق